محمد أبو زهرة
1152
زهرة التفاسير
ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم ، واختلافهم على أنبيائهم بعد أن جاءتهم البينات من ربهم ؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه محاجتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأشار إلى أنها محاجة ليس أساسها الإذعان للحق إذا تبين ، بل أساسها محاولة طمس الحق ، واللجاجة بالباطل ؛ وذلك لأن المجادلة قسمان : قسم يراد به طلب الحق وتمحيصه ، ودراسة الأمر من كل نواحيه ، وتبادل الأدلة ليستبين من بينها نور الحق ، وهذا القسم محمود لا شك فيه . والقسم الثاني لا يقصد به طلب الحق ، بل يقصد به الدفاع عن فكرته من غير نظر إلى كونها حقا أو باطلا ، فهو يجادل ليغالب خصمه ، لا ليهتدى إلى أقوم المناهج ؛ ومن ذلك النوع الأخير مجادلة أولئك الذين اختلفوا من أهل الكتاب ، ومجادلة أولئك الذين جحدوا بالآيات من المشركين الذين قال اللّه سبحانه وتعالى في أمثالهم : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ . . . ( 14 ) [ النمل ] وإذا كان جدل هؤلاء من ذلك النوع الذي لا يقصد به رفع منار الحق أو طلب الحق ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه طلب إليهم أن يخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص هو ؛ ولذا قال سبحانه : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ المحاجة : أن يتبادل المتجادلان ما يعتقده كل فريق أنه حجة بأن يقدم كل واحد حجته ، ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعمه الحق الذي لا شك فيه . والمعنى : فإن حاجك أهل الكتاب ، ومن لف لفّهم ، وسلك مثل طريقهم ، فلا تسر معهم في لجاجتهم ؛ فهم لا يطلبون الحق مخلصين في طلبه لا يبغون بدله ، ولا يريدون غيره ؛ بل إنهم قد شاهت عقولهم ، وتأشبت بالغرض المردى نفوسهم وكلامهم هو التمويه الكاذب ولذلك لا